مجلة البوصلة

حين انتبه إلى جثثه التي لا تحصى...
الكاتب محمد أنوار محمد   
الأحد, 27 ديسمبر 2009 00:00



1- حكايةُ النّهر الصّغير.

فِي بلَادٍ شَاسعةٍ عاشَ نَهرٌ صغيرٌ سعيدًا بِحَياته البسيطَة.

رأى النّهرُ سحابةً فابتسمَ،

وعرَف أنّه مُسْتمرٌّ ما دامتِ السَّماء.

وأحسّ بأسماك السّلور والشّابل سابحةً في مائه،

فسُرّ بكائناتٍ جميلةٍ وجودُها منْ وجودِه.

وشعَر بفلّاحٍ يَجرّ منهُ ساقيةً إلَى فدّانه،

 ففَرِحَ لِمنْحه النّاسَ الحياةَ والسّعادة.

وذاتَ يومٍ وقَف على شطِّه رجلٌ مُحاطًا بِموكبٍ كبير ٍ

وقال بجدّيةٍ وصرامةٍ: سنغيّر مَجرى هذا النّهر،

 

 

فحَدائقي هُناكَ ( وأشار إلى البعيد ) تَحتاجُ إليه.

حزِن النّهر كثيرًا، لأنه سيفارقُ حقولَه وأشجارَه،

وأسماكَه وذكْرياته... ولَا إرادةَ لهُ ليمنعَ القرارَ.

ولَما شُرِعَ في أشغال التّغيير حَدثتْ فوضى عَارمةٌ

في القُرى والمدُن التي يَعبُرها النّهر الصّغير...

وتطوَّر الأمرُ إلَى ثورةٍ ضدَّ الحاكم وبطَانته.

فرِح النّهر كثيرًا، وأرَّخ سكَّان البلَاد للمرحَلة

بأيّام النّهر الصَّغير المباركَة.

 

2- حين انتبه إلى جثثه التي لا تحصى...

 

حَلَّقَ شُهُورًا فِي العَتمَة،

ونزَلَ عَلى أغْصَانِ شَجَرَةٍ جَرْدَاءَ.

شَعَرَ بِأمَانٍ مَا، فأكمَل اللَّيلةَ فوقَ الشَّجَرة.

وفِي الصَّباحِ أنْشدَ لَها قصيدةَ شُكرٍ، مُعتذرًا

عنْ نوْمه فوْق غصْنِها دونَ أخْذ إذْنِها.

- لَمْ أشعُرْ بكَ أيّها العابرْ، فطرْ إلَى حيْث أنْتَ طائرْ.

أجابتهُ الشَّجرةُ الجرْداءُ،

كما تُجيبُ عَادَةً كلَّ العَابرينَ.

قفزَ منَ الغُصْن 

فسقَط كتفّاحةٍ شَاحبةٍ

فِي حفرةٍ مُفْردة.

وحينَ انْتَبَهَ إلى جُثثه التي لَا تُحْصى،

أدْركَ أنّه كُلّما ماتَ

يَجدُ نفسَه منْ جَديدٍ

يُحلِّق في العَتمَة

وينْزلُ على أَغْصَانِ شَجرةٍ جرْداءَ...إلخ.

 

3- قدر.

 

فضَاءاتٌ فارغةٌ.

ريحٌ تَحْملُ أوراقَ شجَرةٍ مَجهولةٍ.

كلبٌ يظْهرُ فجأةً. 

سيارةٌ عَمياءُ تدوسُ قطًّا

يقفزُ منْ صُندوق قُمامة.

 

4- ثقافة.

 

ألقيتُ نظرةً على المدرّج الممتلئ بالمتكلّمين باسْم الطّبقة الكَادحة،

ولَم ألَاحظْ وجودَ ملَامح كادحٍ واحدٍ بين الحُضور،

فتراجَعتُ وخرجْتُ إلى باحة المدرّج.

لَمحتُ سيِّدةً جالسةً على كرسيٍّ مزلّجٍ تدخّنُ سيجارةً.

اقتربتُ منها مُبتسمًا.

- لَم ترُقكِ تدخُّلاتُ الرِّفاق؟

- .. بلى. فقطْ أدخِّن قليلًا...

- في التّدخين تَهلُكة..

نظرتْ إلَيّ، وهزّتْ رأسَها.

- سأحكي لكِ قصَّةً حكاها لِي أحدُ الأصدقاء.

التقى معلِّمٌ في طنجةَ صديقَه بدايةَ الدّخول المدرسيِّ،

فجلسا في المقهى، وتجاذبا أطراف الحديث.

وحكى المعلّم عن رحلته إلى فلوريدا وشواطئها...

فاستغربَ الصّديق كثيرًا.

-  أنت مُجرّد معلِّم... فكيف تذهب إلى فلوريدا...؟ إنّكَ تَطْنِزُ ولَا ريب...".

نظر المعلِّم إلى صديقه، ولَمح عُلبة مارلبورو في جيْب قميصه.

-  كم ثَمنُ تلك العُلبة؟

- اثنان وثلاثون درهمًا.

- وكم تدخّن منْ عُلبةٍ في الأسبوع؟

- علبة في اليوم...

- إذا وفّرتَ ثَمن العلبة في شهر، كم ستدّخر؟ ...

-... ستّون وتسعمائة درهم.

- وفي العام؟

-...  تقريبًا اثنا عشر ألف درهم...

- وفي خمسة أعوام؟ 

-...  تقريبًا ستون ألف درهم. 

- ستون ألف درهم كافيةٌ لِأذهبَ في عُطلةٍ إلى فلوريدا... أليسَ كذلكَ؟

 طأطأ صديقُ المعلّم رأسه، وقال بصوتٍ خافتٍ متلعثمًا " طَبْ...عًا... تَكْ...فِي ... "

نظرتُ إلى السيّدة بعد أنْ انتهيتُ من قصّتي.

ظلّتْ صامتةً للحظةٍ، في حين كنتُ أنتظرُ أن تبديَ اهتمامًا

وتوافقَ في آخر المطاف على ما جاء في الحكاية.

فجأة نظرتْ إلَيّ نظرةً مشفقةً،

ونفثتْ دخَان السّيجارة ببُرودةٍ،

وقالت غامزةً:

- مَا كَيَحْسَبْ غِيرْ الْمَزْلُوطْ.

لَكَأنّ أحَدهُم هَوى بِمطْرقةٍ على رأسِي...

ولَمْ أنتبهْ إلَى انْصرافها،

فقد كنتُ أفكّرُ في صاحبِ دكانٍ منْ منطقة سُوسَ

كُلّما أرجَعَ إلَيّ بعض القِطَع النّقدية الصّفراء،

يقولُ بصوتٍ عالٍ:

الحسَابْ صَابُونْ

فأجيبهُ ضاحكًا:

- الحسَابْ كَيْطَوَّلْ العِشْرَة.

 

 5- فكرة خاطئة.

 

السّيارةُ منطلقةٌ بسُرعةٍ مُفرطةٍ حتّى نلحقَ بالْمُحتضر في المسْتشْفى.

وفجأةً، قفز من بين الأشْجار رجلٌ بلباسٍ أزرقَ... يُشيرُ بالوقوف.

واقتربَ من السّيارة مُحرّكًا يدهُ بسرعةٍ ومتوجِّها نحو نافذة السّائق.

- لُورَاقْ.. أَرَا  لُورَاقْ.

- أَلشَّافْ .. اللهْ يَرْحَمْ الوَالِدِينْ...رَاهْ وَاحْدْ السَّيّدْ كَيْمُوتْ فْ الصْبِيطَارْ... دَاكْ الشِّي عْلَاشْ...

- ... دَاكْ الشِّي عْلَاشْ خَصَّكْ تْجْبَدْ لُورَاقْ دَابَا.

- وَشْرَحْنَا لَكْ.. زَعْمَا.. رَانَا مْسَلْمِينْ...

- شُوفْ مْسَلْمِينْ وَلَّا مْشَلْمِينْ مَاشِي شُغْلِي... رَاهْ مَنْ حَقِّي نْوَقَّفْكُمْ...

وقفزتُ من مكانِي، بعد أن تذكرتُ درسًا.

- شُوفْ ... رَاهْ مَاشِي مَنْ حَقَّكْ تْوَقَّفْنَا.

- ....كِيفَاشْ؟

- كِيفْمَا كَتَسْمَعْ أَلشَّافْ... مَاشِي مَنْ حَقَّكْ تْوَقَّفْنَا..

- ...وعْلَاشْ أَوَلْدِي؟

- رَاهْ مَاشِي مَنْ حَقَّكْ تْوَقَّفْنَا... مَنْ الوَاجِبْ عْلِيكْ تْوَقَّفْنَا.. خَصَّكْ تْفَرَّقْ مَا بِينْ الحَقّ والوَاجِب.

- أهَّاهْ... والله العَظِيمْ عَنْدَكْ الحَقّ...

صفَتْ سرائرُه قليلًا، ثم نظر إلَى السّائق مبتسمًا، وقالَ:

- يالله.. سِيرُوا.. مْنِينْ مْعَكُمْ هَادْ البَرْهُوشْ.

كان عمري سبعَ عشْرةَ سنةً... نَحيلًا وضعيفًا،

وشعرتُ بفخرٍ، كأنّني أنجزتُ نصرًا مبينًا.

 

 
من يقرأ قصيدة النثر؟..