مجلة البوصلة

سؤال الإعلام الثقافي
الكاتب عبد الغني فوزي   

يغلب طني، أن التصورات السائدة حول الثقافي في التلقي والممارسة  المطبوعة بالحيف والتمركز، امتدت لهندسته وتركه في الخلف كشيء بارد هو من باب الملء وإكمال الفصل وإغلاق العدد بصفحات غير قارة ،وأحيانا منعدمة ، كلها تدخل في المفتقد وغير ذي بال . ليتبوأ مكان هذا الثقافي الخبر والإثارة بأنواعها المختلفة . فكثيرة هي الأسئلة التي تحضر هنا بقوة وتدافع - دون مناكب طبعا ـ كلما أثرنا سؤال الإعلام الثقافي، وبالأخص ضمن ما هو ورقي. لنتساءل بهدوء: هل لدينا مجلات على انتظام في الصدور، مبلورة بذلك تصورات، تسعى لتبليغها ؟. كيف يحضر هذا الثقافي في صحافتنا المغربية ؟ هل بشكل استراتيجي أم تصفيفا وخبطا ليس إلا..؟

 

 

 

فخلال سبعينات وثمانينات القرن السابق ، كانت المجلات الثقافية المغربية على صلة قوية بالسياق المؤسساتي والمجتمعي ، فكان الثقافي على هامش حداثي وعقلاني في التداول ، لكنه غير مفصول عن ما هو حزبي ، فسارت مجلات بالتوازي ، وأخرى منخرطة في مواجهات ومعارك مجتمعية على مستوى الفكر والثقافة . فالكل آنذاك ومؤدلج ، بمعنى ما ، نظرا للنار السارية في التلافيف والتفاصيل ..

مؤخرا، اختفت المجلات ، وما تبقى منها ظل مدفوعا بإمكانيات ذاتية محضة ، أذكر هنا بعض المجلات التي توقفت بعد الأعداد الأولى ، وأخرى على وشك ذلك ؛ لأن التضحيات تكون على حساب الذات ، كما يؤكد بعض المدراء الأصدقاء. هل استطاعت هذه المجلات استيعاب الساحة ؟ والمساهمة في تخشب المشهد كديناميات خاصة . هناك في المقابل مجلات وزارة الثقافة التي لا يعرف مثقفو وكتاب البلد بأي كيفية تشتغل ، ولأي أفق تسير ؟. أما مجلة اتحاد كتاب المغرب فلم تستوعب اتحادها ، بالأحرى دينامية المشهد .

أعود للصحافة المغربية وعلاقاتها بهذا الثقافي المسلط وفق تصور وليد إكراه الحزب أو المجموعة. وبالتالي،تتخذ الثقافة تمظهرات صحفية لا تستقر على حال ، نظرا لاكراهات عديدة منها أن أي صحيفة ـ في تقديري ونظري العيني ـ لا تضع طاقما رهينا بما هو ثقافي للإحاطة في المتابعة ، و للانفتاح أكثر، لاستيعاب تعدد وتسارع إنتاج الساحة . وبالتالي ،  تترك الصفحات الثقافية والملاحق لأفراد يبحرون على طريقتهم الفردية ؛ ويزداد الأمر انغلاقا حين لا يلتفت هذا الفرد لحجمه في لا مبالاة بما يعتمل تحت قدميه . فالساحات تمور بالإصدارات واللقاءات والتصريحات ...مقابل صفحات وملاحق تسبح في واد آخر أو تتلون وفق مزاجية لها مناخها الخاص. الشيء الذي يضعنا أمام حيز ثقافي لا يغطي ولا يحيط ، بل يملأ بما هب ودب . هل يحق لنا أن نتساءل: أي صورة تعطيها صحافتنا الثقافية للرواية والقصة والشعر والنقد..؟  تأتي الصفحات سريعة ومقولبة على اختصارها ؛فتحول معها الثقافي إلى أخبار وأقوال سريعة ،لتسقط " أمنا الثقافة " في جري صحفي لايخدم الأدب في شيء ماعدا الإعلان ودغدغة القضايا باللمسات غير المكتملة . من هنا يعتلي البعض صهوات بعض المنابر، ليسلط سيفه، ويلقي خطبه في حروب وهمية لا تنتهي.، أو في ضرب الطر لأسماء بعينها ، مهما تحولت الدنيا والأحوال .

في الخلف المتأمل ، تأتي وقفات وصرخات بعض المثقفين دون أن تناقش ؛ علها تحدث إعادات نظر في المادة والمعمار : أذكر صرخة الشاعر محمد بنيس التي تتجدد على إثر كل لحظة محتقنة  والتي يقول فيها بغياب مؤشرات الضبط الثقافي بين بنية تقليدية وتبعية الثقافي للحزبي أو أفراد يصرون أن يبقى الأمر كذلك. والناقد والباحث سعيد يقطين وتفصيله في غياب شروط واعتبار المؤسسات الأدبية . هذا فضلا عن صرخة سعدي يوسف حول المحرر الثقافي العربي المتسلط على الرقاب والذي يسعى إلى تحويل حيزه إلى ضيعة ومنتجع خاص. ناهيك عن أكل لحم الكتاب نيئا  في الصحافة المغربية التي تدافع عن كل الحقوق ، ناسية ومتجاهلة حق الكتاب في التعويض، وأحيانا الكل يتقاضى أجره ، ماعدا هؤلاء الكتاب لأنهم ملتصقون بهذا الثقافي الذي يعتبر عند أهل الخبر و" التخبار" مجرد تعمار وترتيب في آخر الصف. لكن الثقافة باقية في المجتمع والحياة؛ يمكن إذا قدمت في حلة جميلة أن تلف الناس حولها، بعد أن يتحرروا من بريق الإثارة.

دون تعميم ، فالإعلام الثقافي ينهض على مجهودات أفراد هم في الأصل كتاب ومبدعون ؛ لكن غالبا ما ينساقون مع منطق المؤسسة ...في انتظار أن تأتي الأدوار الغائبة والفاعلون الأساسيون عبر إعلام ثقافي فعال ومشدود بحبال موضوعية للأفراد والمؤسسات . لأن هذا الثقافي أكبر من النزوات والظرفيات.

 

....................................

عبد الغني فوزي

شاعر وكاتب من المغرب

 
من يقرأ قصيدة النثر؟..