مجلة البوصلة

عن محاصرة محاولة عيش
الكاتب أحمد بنميمون   

رغم كل الحجج الصائبة التي أدلى بها المدافعون عن الإبداع المغربي ، وعن حق التلميذ في مدارسنا على الاحتكاك بنماذج من إبداع أبناء وطننا، إلا أن ذلك لن يغير من رؤية هذا الاتجاه الذي يؤيد قراءة النص الأدبي بعين الفقيه، وهذه الرؤية الظلامية التي تتذرع بالأخلاق في تقدير الإبداع تظهر دائما كعلامة على استتباب الانحطاط الذي تتضافر جهود المخلصين من مثقفي ومفكري ومبدعي هذه الأمة، من أجل تخليص إنساننا منه، وإن جهود رواد النهضة، من زعماء الإصلاح لم تنكر صورا إيروتيكية وخمرية تضمنتها روائع الشعر العربي

 

 

 

يقول الشيخ( الضمير في (بها) راجع إلى الخمر، فإن الكلام فيها، قال قبل البيت:  وجدت المدامة غلابةً^^تهيِِّج للقلب أشــواقهُ تسئ من المرء تأديبهً^^ولكن تحسِّنُ أخلاقهُ قال شيخنا: في قوله(تسيء من المرء تأديبهُ)إلخ:أي تغلبه فتخرجه عن قيود الحشمة في اللفظ والحركات،ولكنها تغلب منه الخوف والبخل، فيشجع ويسخو،وهذا ما يريده من تحسينها لأخلاقه)وإذا التفتنا إلى شخصية صاحب هذا التعليق ،وهو الشيخ محمد رشيد رضا ، الذي ينسب إليه الخروج بالدعوة السلفية الحديثة عن جوهرها الإصلاحي الاجتماعي إلى الإسلام السياسي، في معناه لدى مجموعة من الدارسين لظاهرة الإسلام السياسي بعد سقوط لخلافة العثمانية، التي كانت تسمي نفسها خلافة إسلامية، فإننا نعجب لحسن تقدير هذا الشيخ للعمل الإبداعي ، فنحن نراه وهو الداعية الإسلامي لا ينظر في حاشيته إلى أبيات المتنبي التي أستعمل أحدها الجرجاني كشاهد في بيان وجه الشبه العقلي في الاستعارة ،نظرة الحتمية الدينية الشاملة،ولم يخرج بالخطاب العلمي النقدي عند الجرجاني عن سياقه، إلى الوعظ والإرشاد ، لنرى موقفين رائعين ، يفصلان الإبداع عن الدين ، والنقد عن الخطاب الديني،ولتتأكد من ثم فظاعة ُالانهيار الذي أصاب الفكر الديني في مقتل،ليعود ذلك بأسوإ الآثار على واقعنا الأدبي حيث لا يكف من لا ذوق له أدبيا، ولا يمتلك حسأ جماليا، عن أن ينصب نفسه واعظا أخلاقيا على آدابنا وإبداعنا، داعيا إلى صب أكبر حمولة من أسمنت الأخلاق في مشروع بناء شخصية تلاميذنا في كافة مراحل التعليم ، رقيبا لا يعترف بأية قدرة لدى أبنائنا للتمييز بين ما ينفع أو يضر ، بل إنهم يتجاوزون ذلك إلى التشكيك في نيات جهازنا التربوي الذي بدأ أخيرا يتحرر من الخوف والجمود، بانفتاحه على نماذج طليعية، حظيت باحترام الأوساط الأدبية العربية والعالمية، الحقيقة أن مثل هؤلاء المشككين في قدرات الأساتذة ،وكافة المشرفين التربويين، هم من يجب أن يُنبهوا إلى ما أصبحنا نعيش في ظله من معطيات، هي الجديرة بالمحاربة، وحماية كافة المواطنين في مختلف الأعمار، من السقوط ضحايا لها ، كالإرهاب والانحراف ف والمخدرات ، ليبقى ما تبنيه الآداب من شخصياتنا هو الجزء الناجي، والجانب المستنير منها. فمتى يشجُع الخطاب الديني ،ويشرع في تناول الأعمال الأدبية ، تناولا علميا نقديا ، مقتديا ، على الأقل بالخطاب السلفي النهضوي عند محمد رشيد رضا ،وأساتذته من زعماء الإصلاح الديني، هذا أقصى ما نطلبه من التزامهم بعض الاعتدال، أما أن يرشدوا ويهتموا بدراسة عظماء نقادنا، مثل عبد القاهر الجرجاني ، فذلك سيشغل وقتهم وسيحميهم من الاندفاع في إعلان مثل هذه الحملات الدونكيشوتية ، وأقول الدونكيشوتية ، لأنها حملات لم تعد مناسبة لمرحلتنا على أكثر من مستوى ، فلا مسئولينا اليوم بنفس عقلية من تولى أمرنا الثقافي والتربوي بالأمس ، ولا تلميذنا الحالي بنفس ثقافة تلميذ عصر الانحطاط ، رغم كل التحفظات التي لنا على هذا وذاك.إلا أننا نقف مناصرين إبداعنا، ومشجبين موقف الفقيه ورؤية تقديره للآداب ، فمن العار مثلا،أن يستمر في مصر منع رواية رائدة ، تقدم تصورا مختلفا ومتميزا للعالم والحياة وتاريخ البشرية، هي رواية (أولاد حارتنا)، وأن تستمر عمادات كليات الآداب في كل جهات المغرب في منع قبول أقسام الدراسات العليا بها أطروحات حول (موسم الهجرة إلى الشمال) و(الخبز الحافي) وأعمال أدبية أخرى كثيرة مغضوب على مبدعيها،ومنها رواية الكاتب المغربي المرحوم محمد زفزاف (محاولة عيش)(1) لمجرد أن فيها ذكرا للخمر بين شخوص،في سياق سردي متخيَّل، يقدم رؤية للعالم تدين واقعاً وعلاقات غير إنسانية، وأن نؤسس لثقافة منع مثل هذه النصوص الرائدة في أدبنا، إرضاء لجهات ظلامية تريد أن تمنع خطانا عن التقدم، بادعاء الغيرة الزائفة على الأخلاق ، وتنصيب أنفسهم سدنة للدين ، وأوصياء على شعب يحتقرون ذائقته الفنية ، فيحرصون على حجب الأعمال الجميلة التي عبر ت بصدق عن مرحلة من أصعب مراحل التحول في مجتمعنا، ولو أني أملك أن أصل إلى آذان المسئولين التربويين ، لاقترحت بالنسبة للسنة الثانية من الثانوي التأهيلي، رواية الأديب الرائد محمد زفزاف الرائعة(بيضة الديك) التي تعري وتكشف حقيقة العلاقات الاجتماعية والثقافية في مدينة مغربية ،هي قلب المغرب النابض، ليرى سدنة الأخلاق ماذا يتحكم في مجتمعنا ،وليأخذ تلاميذنا وهم يتأهلون لاقتحام الجامعة أصدق صورة عن واقعنا ، الذي يتجاوز المقولات الأخلاقية البائرة ، ويكسر القوالب الأسمنتية الجامدة، التي تقيد خطواتنا نحو التقدم الاجتماعي والثقافي والسياسي،وليعلموا أن جهود السابقين من أمثالهم لم تغن في إيقاف أدبنا عن التطور ، وإن أجلت ذلك إلى حين.(2)  30/09/2009

 

 

 

................................................

أحمد بنميمون

................................................

 

(1)"لأن أحداثها تدور في الحانات والبارات ... وتحرض على الجمر والتدخين والزنا وعقوق الوالدين" من وجهة نظر المطالبين بمنعها

 (2 )الملخص الذي قدمه عن الرواية الشاعر محمود عبد الغني على صفحات جريدة (الأخبار) اللبنانية بتاريخ 01/10/2009، مع استفهام إنكاري /دال ،المراد منه احتجاج الشاعر : (تقدِّم «محاولة عيش» صورة لطبقة المسحوقين. إنّها سيرة حميد بائع الصحف الأمّي، الذي يحاول أن يكُونَ له موقعٌ في عالم ميزاته القسوة والإلغاء. وهي لوحة يقدمها زفزاف عن عالم هامشي مثقل بالقهر الاجتماعي والاقتصادي والنفسي. وما ركز عليه الكاتب هو طمس المعالم من جراء هذا القهر المتعدد. هكذا، قدَّم حميد، البطل المهزوم والفاشل الذي يفتقر إلى الموقف والشجاعة، عكس صورة البطل في الروايات التقليدية. فهو لا رأي له في مسألة الزواج وغياب الموقف، إنما هو كناية عن غياب الموقف من الحياة. يحاول حميد العمل وبيع الجرائد في الميناء فيفشل. يطأطئ رأسه أمام أمه ووالده وزملائه، وشرطة الميناء. يطأطئ حتى أمام نفسه. يحبّ غنو، محترفة البغاء في القنيطرة، ويتقدم لخطوبة فطومة عكس رغبته. تسرق منه النقود والملابس ولا يقاوم. «محاولة عيش» هي بحق رواية الاتجاه الواقعي الانتقادي، رواية ذلك التيار الذي قدم دفعةً جديدة للرواية المغربية. تيار الرواية الناطقة باسم السواد الأعظم من الهامش المغربي المنسي. أفراد مثل حميد، يبيعون الصحف من دون أن يتمكنوا من قراءتها. أناس يحاولون فقط أن يعيشوا. أرواية مثل هذه تمنع؟)

 

 

 
من يقرأ قصيدة النثر؟..